ما شهدته تونس خلال الأيام الماضية من تشابه كبير في طريقة عمل العصابات الإجرامية ليلا، يؤكد أن هناك غرفة عمليّات تقف وراء ما يحدث في تونس، ولم يستبعد مراقبون أن تكون شخصيّات سياسية تونسية معروفة بتحريضها للعنف وأخرى قريبة من دولة الإمارات، متورّطة في الأحداث الأخيرة وسط حديث عن مزيد من التأزّم في العلاقات بين البلدين.

ولا يختلف السيناريو التخريبي الذي يجري في تونس عما جرى قبل انقلاب 30 يونيو، فحركة «تمرد» التي موّلتها الإمارات، تم استخدامها لتبرير الانقلاب على الدكتور «محمد مرسي» أول رئيس مدني منتخب للبلاد، منتصف العام 2013.

في 22 أبريل 2011، عقد ولي عهد الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد وقادته في الأمن والمخابرات لقاء مع عاهل المملكة العربية السعودية الملك عبد الله ومسئولي الأمن السعوديين لمناقشة تداعيات الربيع العربي، حذر محمد بن زايد أنه إذا لم تضع دول مجلس التعاون الخليجي سياسة استباقية للتعامل مع الانتفاضات الشعبية التي تجتاح العالم العربي في ذلك الوقت، فلن ينجو منها ملوك المنطقة.

 

بعدها بثلاثة أسابيع، وفي اجتماع قمة طارئ في الرياض، نقل محمد بن زايد نفس الرسالة إلى جميع قادة دول مجلس التعاون الخليجي، وبينما أبدت دولة قطر لامبالاتها برسالته، قابلتها الخمس دول الأخرى بالموافقة، تم تكليف بن زايد والأمير السعودي بندر بن سلطان، مستشار الأمن القومي، بوضع خطة فعالة للتصدي للربيع العربي في المنطقة، وفي وقت لاحق، طلب الملك عبد الله من نظيره الملك الأردني الحصول على مساعدته والانضمام إلى هذه الخطة والتي وافق عليها في حين تم استبعاد قطر!

دولة الخمارات

وطوال عقود، كانت الإمارات صديقًا مقربًا لمبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس، وقد تم تهريب مليارات الدولارات المسروقة من مصر و إيداعها بنوك أبو ظبي و دبي، بعد إسقاط مبارك، قام العديد من جهاز الأمن ورجال الأعمال الفاسدين بالتوجه إلى الإمارات، كما انتقل أحمد شفيق آخر رئيس وزراء لمبارك بعد فشله في الانتخابات الرئاسية ضد مرسى في يونيو 2012 إلى الإمارات، قبل عودته مهاناً وتسليمه للسفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وفي خريف 2012 تأكدت استضافة الإمارات للمجموعة التي كانت تخطط لإسقاط الرئيس مرسي والإخوان المسلمين.

واتهم رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، بشكل علني وصريح الجبهة الشعبية بعلاقاتها بشبكات الفساد التي تحرض على الفوضى والعنف، من خلال تجنيد الشباب، وبتقاطع مصالحها مع الجهات السياسية، داعيًا إلى فتح تحقيق للكشف عن المتورطين في أعمال التخريب، مشيرا إلى أن نواب كتلتها صوتوا على قانون المالية في البرلمان ثم انطلقوا في التظاهر ضده.

بدوره، قال النّاطق باسم الجبهة الشعبية حمة الهمامي، إنّ الاتهام الذي وجّهه رئيس الحكومة للجبهة، بالتحريض على التخريب، هي “محاولة منه للتغطية على فشله وفشل الائتلاف الحاكم والتغطية على الفساد والصراعات داخل الائتلاف الحاكم”.

جذور الأزمة

وشهدت العلاقات التونسية–الإماراتية توترًا كبيرًا خلال الأيام الأخيرة، كانت البداية عندما اتخذت الخطوط الجوية الإماراتية قرارًا مفاجئًا يقضي بمنع نساء تونس من دخول مطاراتها أو المرور عبرها، أثار القرار غضب التونسيين، فاضطرت السلطات إلى تعليق كافة رحلات الإماراتية من وإلى تونس لحين احترامها للمعاهدات والقوانين الدولية الخاصة بقطاع النقل الجوي.

بدأ التوتر في العلاقات التونسية الإماراتية منذ اندلاع ثورة الياسمين مطلع عام 2011، التي كانت شرارة انطلاق ثورات الربيع العربي في المنطقة،سلطات أبو ظبي لم تخف استياءها من الثورات التي غيرت وجه المنطقة، وأتت بالإسلاميين إلى السلطة، في هذا الإطار، كان من الطبيعي أن يناصب حكام الإمارات حكومة النهضة والرئيس التونسي السابق “منصف المرزوقي” العداء.

بلغ هذا التوتر ذروته في سبتمبر 2013، عندما استدعت أبو ظبي سفيرها في تونس للتشاور حول المستجدات في العلاقات بين البلدين، على خلفية تصريحات لـ”المرزوقي”، في الأمم المتحدة، طالب فيها بإطلاق سراح الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، إذ رأت الإمارات في حديث المرزوقي تدخلًا فجًا وغير مدروس في شأن دولة ذات سيادة بحجم مصر، إضافة إلى أنها تشكيك في إرادة الشعب المصري.

 

مع دخول الجنرال الباجي قائد السبسي إلى قصر قرطاج، كان من المتوقع أن تحدث انفراجة في العلاقات التونسية الإماراتية، كيف لا والرجل يمتلك علاقات جيدة للغاية مع حكام الإمارة الخليجية، الذين أهدوه سيارتين مصفحتين حرصًا على حياته؟ لكن شهر العسل التونسي الإماراتي انتهى سريعًا، وعادت التوتر إلى العلاقات مرة أخرى.

نشرت مجلة «Jeune Afrique» الفرنسية، سبتمبر 2015، أن دولة الإمارات أجلت استقبالها للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أكثر من مرة، وعلقت إصدار تأشيرات للتونسيين لـ”أسباب أمنية”، بسبب قيام قاض تونسي بتوجيه دعوة إلى حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للتحقيق معه في قضية فساد بالقطاع العقاري، وهو ما اعتبرته أبو ظبي إهانة كبيرة.

لكن أخبارًا تكشفت بعد ذلك تشير إلى أن التوتر بين البلدين أعمق من هذا، إذ نشر موقع «MIDDLE EAST EYE» تقريرين أواخر عام 2015 يشيران إلى وجود تهديد إماراتي بزعزعة الاستقرار في تونس بسبب رفض قياداتها تكرار السيناريو المصري في قمع المعارضة الإسلامية، وعلى رأسها حركة النهضة.

محاولات تفسير قرار الخطوط الإماراتية الأخيرة ذهبت إلى أنه كان رد فعل على قيام السلطات التونسيّة بترحيل إماراتيين تمّ إيقافهم في صحراء البلاد بصدد اصطياد طيور نادرة بشكل غير قانوني، لكن تاريخ العلاقات بين البلدين منذ ثورة 2011، يشي بخلاف ذلك، قد يكون ما فعلته تونس ذريعة تذرعت بها الإمارات لتقديم “قرصة أذن” جديدة إلى القيادة التونسية، لكن من المستبعد أن يكون هذا هو السبب الحقيقي.

رابط دائم