لم ينشا الشاب عمر الديب – الذي ظهر ضمن كتائب داعش قبل مقتله – على العنف والإرهاب، بل الواضح من كتاباته على صفحته الشخصية أنه كان شابا مسالما، حالما بدولة ديمقراطية، توفر لأبنائها الحرية والعدالة والكرامة التي طالب بها مع كل شباب مصر في ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، وقد تمتع عمر وأقرانه بحصاد ثورتهم لوقت قليل قبل الانقلاب عليها وعلى الرئيس الذي أنتجته، والحلم الذي صنعته، وهو الانقلاب الذي قتل الأمل قبل أن يقتل آلاف البشر في رابعة والنهضة وغيرهما من المجازر. لم يكن الوحيد

لم يكن عمر ولن يكون الوحيد الذي أصابه الإحباط، ودفعه إلى العنف بعد أن كان يؤمن بالسلمية ويدافع عنها، هذا بالتأكيد ليس تبريرا للمسلك الشائن، ولكنه تفسير لهذا التحول الخطير، والذي يُنبئ عن وجود عشرات بل ربما مئات أو حتى آلاف الحالات الأخرى التي التحقت أو يمكن أن تلتحق بداعش وأخواتها بعد أن فقدت الأمل في التغيير السلمي الذي أتاحته ثورة يناير، وعاشه الشباب واقعا ملموسا في انتخاب أول رئيس مدني لمصر بعد 60 عاما من الحكم العسكري، ثم ها هو الحلم يتبدد مصحوبا بسيل أنهار الدماء لأصدقائهم الذين حملوا جثثهم على أكتافهم، وها هم يرون النظام العسكري يأكل حتى أقرب الناس له، بل من هم جزء لا يتجزأ منه لمجرد إبدائهم الرغبة في الترشح.

في بيانه المطول عقب بث فيديو داعش الذي تضمن حديثا وصورا لنجله قدم الدكتور إبراهيم الديب تفسيرا -لا تبريرا- لتحولات نجله التي صدمته بعد معرفته بها، ومما قاله في البيان:”ابني عمر سُرق مني فكريا وروحيا وبدنيا، بعد أن اجتهدت في تربيته على قيم الإسلام العظيم، قيم الرحمة والسلام والإيمان، والحب في الله تعالى، والمواطنة والحرية، والاعتزاز بالذات والاحترام، وشمولية العبادة، والإسلام، وحب الوطن، ونصرته، من القيم التي تربيت ونشأت عليها، وهو ضحية، وفاجعة كبرى، ونموذج لجيل كامل من خيرة شباب مصر سُرق منه حلمه في الحرية والتنمية ونهضة مصر وتقدمها كبقية دول العالم إلى ما تستحق من مكانة متقدمة بين الأمم” .

ويمضي “ما زال قلبي يحترق كلما تذكرت مشهد عمر وصراخه وبكاؤه، ولطمه على وجهه، كما آلاف الشباب ساعة إعلان بيان الانقلاب العسكري المشئوم على مصر وشعبها في 3 يوليوــ ساعة كنا نشاهد سويا البيان بأحد المقاهي خلف طيبة مول بميدان رابعة، وقد سألني حينها ودموعه تملأ وجهه ــ ماذا سنفعل الآن؟ قلت نستمر في اعتصامنا، وتوعية شعبنا .. التزاما بمنهاجنا السلمي الذي نعتقده، ونؤمن به ونلتزم به، رغم كل محاولات الاستفزاز من الانقلاب”. المشير مقاتل

هذا التفسير للتحول الصادم عند عمر الديب لا ينطبق عليه وحده، بل يمتد لمئات الشباب داخل السجون والمعتقلات والمنافي، وهو تكرار لما حدث في سجون عبد الناصر في الستينات التي أنتجت جماعة التكفير والهجرة أيضا من شباب كانوا بالأصل مسالمين لكنهم لم يحتملوا مظاهر الفجر والإجرام التي تعرضوا لها وغيرهم من المعتقلين، ولم يصدقوا أن من يقوم بها يمكن أن يكون مصريا أو مسلما.

تفوق نظام السيسي على نفسه، وتفوق على نظام سلفه عبد الناصر في صناعة الإرهاب، وحوله من “محتمل” إلى “مؤكد”، ليصح مع ذلك وصفه أي السيسي بالمشير مقاتل عبد الفتاح السيسي قائد خط تفريخ الإرهاب، وليحترق الوطن بنار هذه الشياطين التي أطلقها.

يحمد لجماعة الإخوان قدرتها على ضبط انفعلات غالبية شبابها رغم كل ما عانوه حتى الآن والذي كان من الممكن أن يلحقهم بداعش وأخواتها، ويحمد لهم أنهم صمدوا في مواجهة من انتقدهم على ذاك التصرف بحسبانه انبطاحا وانهزاما في مواجهة الغاصب المنقلب، ويحمد لهم صمودهم في مواجهة كل محاولات جرهم كتنظيم لطريق العمل المسلح، إذ أطلق مرشدهم مبكرا صيحته المدوية من فوق منصة رابعة “سلميتنا أقوى من الرصاص”، وتمسكوا بهذا المبدأ رغم ما لحقه من تسفيه وتندر، ويحمد لهم نجاحهم في الإفلات حتى الآن من مؤامرات تصنيفهم كجماعة إرهابية، وهي المحاولات التي دفعت لها مليارات الدولارات من السعودية والإمارات، وبذلت من أجلها جهود ضخمة وتحركات مكوكية من الكيان الصهيوني ولوبياته النافذة في واشنطن وغيرها من العواصم الغربية. خدمة للسيسي

في المقابل فإن تنظيم داعش قدم خدمة جليلة للسيسي ونظامه من خلال إصداره المصور الأخير الذي تضمن مناظر قتل همجية لجنود أبرياء، ومن خلال تضمنه لحوارات بعض الشباب ومنهم عمر، وهو ما يستغله النظام وأذرعه الإعلامية لتبرير عملياته العسكرية في سيناء، وقتله وتصفياته الدموية لمعارضيه السياسيين، والغريب أن نشطاء وإعلاميين يصفون أنفسهم بالمعارضين شاركوا في هذا الاستغلال البغيض لفيديو داعش، مجددين ضغائنهم تجاه جماعة الإخوان التي اتهموا نشطائها ومنظمات حقوقية قريبة منها بنشر روايات حول الاختفاء القسري للشاب عمر من قبل، وهو مالم يحدث البتة، وما لا يستطيع أولئك الأدعياء تقديم دليل عليه، وهم بذلك قد ارتكبوا جريمة مساعدة السلطة في قتل المختفين قسريا لديها، وهو ما قد يتعرض له أصدقاؤهم من خارج الإخوان لاحقا من سلطة لم تعد تفرق بين معارضيها.

مع استمرار عمليات القمع والقتل والتصفية الجسدية للمعارضين السياسيين السلميين، ومع استمرار الزج بالآلاف في السجون والمعتقلات وتعريضهم لأبشع أنواع التعذيب، فإن هذه السجون والمعتقلات تحولت إلى معامل”السيسي وشركاه” لتفريخ الإرهاب الأسود، الذي نرفضه جميعا، والذي لا تقوى كلمات الوعظ والإرشاد، ودعوات السلمية أمامه كثيرا، وهو ما ندفع وطنا ومواطنين ثمنه غاليا.

————

نقلا عن عربي 21

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

رابط دائم