دائمًا ما يثير التهجم والتشهير المستمر على جماعة الإخوان المسلمين من جانب وزير الأوقاف بحكومة الانقلاب مختار جمعة، كثيرًا من التساؤلات حول أسباب هذه الحملة السوداء والإصرار على الكذب والافتراء بحق كل الرافضين لانقلاب العسكر.

بعض المراقبين كانوا يذهبون إلى أن الوزير حريص كل الحرص على التزلف لنظام العسكر والنفاق للأجهزة الأمنية والعمالة لصالحها؛ من أجل بقائه في الوزارة لأطول فترة ممكنة.

ويعزز من رأي هؤلاء أن التعديلات التي أجراها جنرال الانقلاب الدموي عبد الفتاح السيسي في عام 2016 على الحكومة، كانت ترجح الإطاحة بجمعة من كرسي الوزارة لأسباب تتعلق بالخلافات بينه وبين مشيخة الأزهر، التي تضغط من أجل الإطاحة بجمعة، في ظل تطلعات الأخير نحو خلافة الدكتور أحمد الطيب في المشيخة. لكن لم يحدث شيء من ذلك، وانتهى التعديل إلى بقاء “جمعة” على كرسي الوزارة.

واعترف الدكتور أحمد عبد الحافظ، رئيس هيئة الأوقاف المعين من جانب سلطات العسكر، بأن النهب في الهيئة العامة للأوقاف يصل إلى المليارات، كاشفًا عن أن أراضى الهيئة على مستوى الجمهورية تقدر قيمتها بأكثر من 700 مليار جنيه.

وأكد- فى حواره اليوم السبت 13 يناير 2018م لـصحيفة «الوطن»- أن الهيئة تعرضت لخسائر مالية مباشرة خلال الخمس سنوات الماضية فقط تقدر بـ200 مليون جنيه، بالإضافة لخسائر غير مباشرة من خلال ضياع أراضٍ وممتلكات أخرى بسبب الفساد داخلها تقدر بالمليارات. وحول سؤاله عن حجم الفساد بالهيئة، أجاب أنه بالمليارات! لكن الرقم بالضبط غير محدد.

وشدد على أن الهيكل الإدارى فى الهيئة به سوء إدارة بشكل كبير، ولم يكن يطبق أقل معايير ضمان الرقابة، ومكثت شخصيات صاحبة سلطات داخل الهيئة فى وظائفها لمدد طويلة جدا، وأن بعض مديرى أملاكٍ مكثوا فى عملهم طوال 25 و30 عاما، مشيرًا إلى أن ذلك ضد مصالح الهيئة وبداية فساد كبير.

التستر على نهب بالمليارات

وربما كان السبب الأخطر هو محاولات جمعة المستميتة للتستر على الفساد الهائل والضخم في وزارة الأوقاف؛ حيث كشفت تقارير للنيابة الإدارية والجهاز المركزى للمحاسبات، عن وجود فساد مالى وإدارى خلال السنوات الماضية، أدى لتراجع دور الهيئة العامة للأوقاف، وأصبحت الخسائر هى شعار إحدى المؤسسات الكبرى بالدولة، وأفاد التقرير السنوى للنيابة الإدارية، الصادر فى أكتوبر الماضى، عن أن القضايا التى باشرتها فى 2016، وارتبطت بمخالفات الهيئة، بلغت «1895» قضية، تصدرتها محافظتا القاهرة بـ188 قضية، وكفر الشيخ بـ183 قضية، فيما جاءت الفيوم كأقل محافظة بقضيتين فقط.

وحددت النيابة الإدارية، فى تقريرها، أوجه الخلل والقصور والسلبيات بالأوقاف فى عدة نقاط، أولها عدم إحكام عملية إثبات بيانات العقارات التابعة للهيئة، ومقابل الانتفاع المحدد لها أو نقل هذه البيانات من دفاتر الزراعة إلى دفاتر الملكية العقارية، ما يترتب عليه عدم ربط قيمة إيجارية لها، وعدم تحصيلها ومرور وقت طويل على اكتشاف ذلك، ما أدى إلى سقوط حق الهيئة فى تحصيل مستحقاتها بالتقادم، وضياع أموال طائلة على الهيئة.

وكشف التقرير ضمن أوجه الخلل والقصور، عن وجود إهمال شديد فى المحافظة على ملفات العقارات للأوقاف، ما أدى إلى فقدها وعدم تحصيل مقابل الانتفاع المستحق عليها، أو ربط مقابل انتفاع لها، وعدم اكتشاف ذلك إلا بعد عدة سنوات، وهو ما سقط معه حق الهيئة فى تحصيل مقابل الانتفاع بالتقادم الخمسى، وضياع أموال طائلة على الهيئة تقدر بملايين الجنيهات فى «حالة واحدة».

وأوضح تقرير النيابة الإدارية أنه لا توجد ضوابط محددة لتحديد القيمة الإيجارية للعقارات التابعة للهيئة، وهو ما نتج عنه تباين شديد فى قيمة تأجير تلك العقارات عن القيمة السوقية للعقارات المماثلة، مؤكدا ضرورة أن يكون مقابل الانتفاع مماثلاً لسعر السوق؛ تحقيقا لأقصى استفادة من استثمار عقارات الهيئة لينعكس الأمر بالإيجاب على خزانة الدولة!.

وأوصت النيابة الإدارية فى تقريرها، لتلافى أوجه القصور السابقة، بإعادة النظر فى منظومة العمل بهيئة الأوقاف؛ لحماية العقارات والأموال التى تديرها، كما أوصت بتشكيل لجان فى مديريات الأوقاف بالمحافظات لحصر العقارات والأراضى التابعة للهيئة على الطبيعة، ومقارنتها بالموجود فى السجلات، وإعادة مسح وتسجيل ملفات العقارات على أجهزة الحاسب الآلى، وإدخال نظام الميكروفيلم لحفظ كل الملفات والمستندات والحجج الرسمية والتعامل بموجبها، وحفظ الأصول فى أماكن مؤمنة تجنبا لفقدها أو تلفها.

الجهاز المركزي: إهدار مئات الآلاف من الأفدنة

وكشفت دراسة للجهاز المركزى للمحاسبات، عن حالة الفساد والنهب التى لحقت بأراضى الأوقاف خلال خمس سنوات ماضية، وتبلغ تكلفة الفساد بالمليارات، فهناك متأخرات فى تحصيل الإيجارات وأقساط الاستبدال والوحدات المباعة تقدر بـ3٫8 مليون بمنطقة التل الكبير، و1٫8 بالسويس، و3 ملايين بالأطيان الزراعية بالتل الكبير، و27 مليونا بطنطا والمحلة، و49 مليونا متأخرات بأراضى قليوب، و10 ملايين بمسطرد.

ونظم موظفو الهيئة عدة إضرابات عن العمل استمر بعضها لأكثر من أسبوعين؛ للمطالبة بلجنة لمكافحة الفساد من مجلس الوزراء للتحقيق فى شبهات فساد، ومنها إهدار قيادات هيئة الأوقاف معدات تكلفتها نحو 400 مليون جنيه كانت تستخدم فى استصلاح أرض شرق العوينات، بالإضافة إلى هروب المستثمر الإماراتى الشيخ محمد العتيبى، مالك شركة جنان، بعد التعاقد معه على استئجار كامل مسطح الأرض ويبلغ 48 ألف فدان بقيمة إيجار سنوية 50 مليون جنيه.

وتضمنت المذكرة بعض المخالفات، ومنها تعطيل أكثر من مشروع بسبب تراخى إدارة الهيئة، ومن أهم هذه المشروعات مشروع إسكان برج العرب، الذى تم تخصيص مساحة 1756 فدانا لإنشاء نحو 340 عمارة، وتم وضع جدول زمنى للانتهاء من إنشاء هذه العمارات فى غضون 18 شهرا، إلا أنه وبعد مرور 5 سنوات فإن حجم ما تم لا يتجاوز 5% من قيمة المشروع، وأشارت المذكرة إلى وجود شبهة تلاعب بالأساسات فى هذا المشروع وفقًا لما ورد بتقرير معمل كلية الهندسة جامعة الإسكندرية.

رابط دائم