06/12/2017

عن هذه السوقية الثورية

بقلم: وائل قنديل

الثورات لا تعرف المنطق التجاري، وكما لا يعد قتل الحوثي علي عبد الله صالح مكسباً للثورة، لا يمكن، أيضاً، النظر إلى مصارعة أحمد شفيق، أو أي شفيق آخر، لعبد الفتاح السيسي، مكسباً، أو حلاً، ينبغي على أهل الثورة الاصطفاف حوله، أو الانخراط فيه، فكلاهما ينتمي لمشروع واحد، يناصب الثورة، بديمقراطيتها وعدالتها وإنسانيتها، العداء، بل أنهما كانا، مثل صالح والحوثي، متحالفين في عملية افتراسها واغتيالها، ومازال ما يجمعهما أكبر بكثير مما يختلفان حوله، ناهيك عن أنه، بافتراض وجود منافسة بينهما، إلا أنهما يدينان بالولاء والطاعة لمرجعية واحدة، هي التحالف الإقليمي لوأد الربيع العربي، وهو ذاته التحالف الذي يتحكم في الصراع العسكري باليمن، ويغذّيه، ويؤججه، بحيث تبقى الثورة هناك تحت الثرى.

وإذا كان الممكن أن تدار عملية سياسية بقيم وقوانين السوق، فإن الثورات الشعبية لا يمكن أن تبقى ثوراتٍ إذا استسلمت للسوقية، بألاعيبها وقوانينها القائمة على معايير الربح الميكيافيلية، وقيم القنص والانتهازية.

تنتحر الثورات، حين تسلم نفسها للتجار والمستثمرين، يديرونها بحسابات المصلحة، وتحقيق المكسب، من دون النظر في شرعيته وجدارته الأخلاقية من عدمها، وتتحول إلى شيء آخر، عندما تجنح إلى الدم، وتخوض فيه.

في اليمن، كان طرفان يتناوبان افتراس ثورة شعب، بالتحالف تارة، وبالاقتتال من أجل الانفراد بالفريسة تارة أخرى، فتمكّن أحدهما من هزيمة الآخر، وقتله، وعرض جثته مشوهة، على طريقة رأس الذئب الطائر، لردع كل من تسول له نفسه الوقوف في طريقه.

هذا مشهد ينتمي بالكلية لقيم الهمجية والبلادة الإنسانية، ونهاية مقرفة لصراع بين قاتلين. وبالتالي، لا دخل للثورة اليمنية به، ولا يمكن الاعتداد به مكسباً ثورياً، أو انتصاراً للربيع العربي، حتى ولو بطريق غير مباشر، إذا لا دخل للربيع الثورة بالموضوع هنا، فلا المقتول شهيد، ولا القاتل مغوار يخلص العالم من أحد الأشرار، مع خالص التقدير لأصحاب مبدأ ضرب الظالمين بالظالمين، وخصوصاً حين يطلّ الظالم المنتصر منتشياً منتفخ الأوداج، مسوقاً أكذوبة أنه ارتكب جريمته ليحمي الوطن.

قل ما شئت عن جرائم علي عبدالله صالح في حق الشعب اليمني، وفظائع معمر القذافي ضد الشعب الليبي. لكن من العبث أن تعتبر مشهد أحدهما مهشّم الرأس، غارقاً في الدم، مكسباً للثورة والربيع، بل أنه وبعد ست سنوات من صورة القذافي مقتولاً، وممثلاً بجثته، يمكن الزعم إن تلك كانت لحظة صعود الثورة الليبية إلى الهاوية، لتقف الآن الأكثر بؤساً وانهزاماً بين ثورات الربيع العربي، حيث لم يعد أحد، تقريباً، يتحدّث عن المأساة الليبية، باعتبارها ثورة شعبية بمواجهة استبداد وطغيان، بل صارت صراعاً مسلحاً بين فصائل، أدى إلى تسيد القتلة، وفرض هيمنتهم على البلاد.

تنبئنا مسيرة الأعوام الماضية بأن الوصفة السحرية لكل الطغاة والقتلة الذين ثارت الشعوب عليهم، كانت دفع مجموعات ثورية لحمل السلاح، ومن ثم استطاعت الأنظمة أن تدّعي أنها تواجه مجموعاتٍ مسلحةً تزعزع استقرار الوطن، وتهدّد وجوده جغرافياً وإنسانياً، ثم تطور الأمر إلى دمغ الثورات بالإرهاب، فاخترعوا "داعش" قارب إنقاذٍ لكل السفاحين الجالسين على مقاعد الحكم، ليتحولوا إلى محاربين، نيابة عن العالم، ضد الإرهاب، كما جرى في سورية ومصر وليبيا، ليجد الربيع نفسه، أخيراً، على لائحة الاتهام بالإرهاب.
-----------------
المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي "بوابة الحرية والعدالة" وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها. 

****---***