06/12/2017
حول حال الصحافة والصحفيين
 
بقلم: عامر شماخ
 
دمعت عيناى حزنًا لصورة الزميل الذى انتهى به الحال فى دولة العسكر إلى أن يبيع الجوارب فى إحدى الأسواق الشعبية فى تركيا، وقد أكد من يعرفه ونشر صورته أنه صحفى محترم وباحث محترف وفى سن حرجة، لكن ماذا يفعل وقد أُغلقت أمامه أبواب العمل ولم يرد أن يبيع قلمه؟ 
 
وما إن نُشرت هذه الصورة المحزنة حتى تدافع زملاء محترمون بالإشارة إلى كثيرين تركوا المهنة وعملوا فى مهن أخرى لا تناسب خبراتهم وأوضاعهم الاجتماعية؛ فأشار أحدهم إلى زميل يبيع الحقائب فى سوق الموسكى، وآخر يعمل سائق (توكتوك)، وثالث عاد لقريته يعمل فى فلاحة قراريط ورثها عن والده يطعم من نتاجها القليل أولاده الصغار.. وغيرهم كثير. 
 
وما لا يعرفه القارئ الكريم أن آلافًا من الصحفيين المصريين الشرفاء يعانون الآن أشد المعاناة، ليست المعاناة المادية وحدها -وهى صعبة- لكنها المعاناة المعنوية كذلك -وهى أشد وأقسى-؛ فالصحفيون فى مصر الآن فريقان؛  فريق رضى بأن يخوض مع الخائضين؛ فباع نفسه بثمن بخس، يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة؛ فسارعوا فى الظالمين، يحاربون بسيفهم، ويقاتلون تحت لوائهم، ولا يعصون لهم أمرًا، وغالبيتهم غير مقتنعين بما يقولون ويفعلون، لكنهم سقطوا فى الوحل الذى لا نجاة منه إلا أن يشاء الله.  والبقية الباقية منهم جاهلة سفيهة، لا يميزون بين رأس وساق، ووجه وظهر، يرددون الكلام ترديد الببغاوات. 
 
أما الفريق الآخر؛ فهم الشرفاء الذين ثبتوا وصبروا، وهم كثر والحمد لله؛ إما من أبناء المؤسسات التابعة للنظام، التى يقال عنها (قومية) وهى ليست كذلك، أو فى مؤسسات خاصة وحزبية تابعة أيضًا -قهرًا- للنظام؛  وهؤلاء لا مجال أمامهم -إطلاقًا- كى يمارسوا المهنة، أو يسطروا حرفًا واحدًا فى جريدة؛  فمنهم من فُصل، ومنهم من ترك العمل طواعية؛ حفاظًا على كرامته من أن يمسسها سفيه، ومنهم من وُضع فى قسم لا يمت للصحافة بصلة، ناهيك عن التحقيقات والمضايقات التى لا تحتمل.. 
 
ولم يبق أمام هؤلاء، خصوصًا أبناء المؤسسات الخاصة والحزبية، فيما يعرف نقابيًا بالصحف المستقلة سوى البحث عن فرص عمل غير الصحافة لفتح بيوتهم والصرف على أبنائهم، بجانب ما يُعرف بـ(بدل التكنولوجيا) وهو مبلغ شهرى يتقاضاه أعضاء النقابة ليس لغرضه الأول (التدريب والتكنولوجيا) إنما (رشوة حكومية) تزيد مع كل انتخابات ويأتى به -عادة- النقيب التابع للنظام ويعتبر ذلك من خدماته الجليلة لزملائه المعدمين، بدلا من أن يوفر فرص عمل للعاطلين منهم، وبدلا من حل مشكلاتهم المزمنة وقد مر على بعضها ما يقرب من عشرين عامًا ولم تحل؛ حيث كلما جاء مجلس بت فيها ثم يرجئها للذى بعده، والحل فى يد الأنظمة الفاشية التى لن تسمح به ولو قضى هؤلاء الزملاء. 
 
وإذا تحدثنا عن حرية الصحافة فلا يتسع المقام للمآسى التى لحقت بها، خصوصًا بعد انقلاب 3/7 الدموى؛ فلا مجال للحديث عن قانون أو دستور؛ حيث لا توجد فى المحروسة مؤسسة صحفية واحدة معارضة، ولا مقر ولا موقع لمجلة أو جريدة أو نشرة تقول لهذا النظام لا؛ لا يوجد إلا صوت واحد هو صوت الأغبياء، وقد صار الصحفيون غير الشرفاء خدامهم وتحت مواطئ أقدامهم. وإذا كانت هناك  محاولات جريئة لكسر هذا الطوق الحديدى فإنها تقابل بكل (غشم)؛ فصار سجن الصحفى أمرًا عاديًا، تلفق له التهم ويُشنع عليه، ويلقى فى الأقسام ومراكز الشرطة، ثم يرحل إلى أحد السجون سيئة السمعة؛ فلا نقابة تسأل عنه، ولا نقيب يتابع قضيته. هذا غير (الضربات الاستباقية)؛ بالإجهاز على المحترمين، وعلى مشاريعهم المتوقفة؛ خوفًا من ظهور موقع أو مطبوعة تخلخل نظامهم، وهو أوهى من بيت العنبكوت.. 
 
وإذا كان ثمة نداء؛ فإنى لا أوجهه لنقابة تخلت عن دورها، وتباعد ما بينها وبين الصحفيين الأحرار كما بين المشرقين، إنما أتوجه بندائى إلى الزملاء الذين عصمهم الله من السقوط فى وحل النظام الفاجر؛ أن يتعاونوا فيما بينهم، وأن يبحثوا عمن ضاقت بهم سبل العيش والعمل؛ فيساعدوا المحتاج، ويكفلوا المعوزين، ويفرجوا كرب المكروبين منهم، ثم البحث عن البدائل المهنية حتى تنكشف الغمة ويزول الإجرام.. وهذا ليس على الله ببعيد.
-----------------
المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي "بوابة الحرية والعدالة" وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها.
****---***