24/09/2017
شيخ المجاهدين.. غاب الجسد وبقي الأثر
 
بقلم: قطب العربي
 
الأمس فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها بعد صمود في مواجهة الظلم والمرض دام أكثر من أربع سنوات في سجون السيسي، غابت روح شهيد مصر والأمة مهدي عاكف المرشد السابق للإخوان المسلمين، وحضرت تضحياته وعطاؤه وقدوته الحسنة، منعت سلطات الانقلاب الصلاة عليه في مصر كما فعلت سابقتها «الملكية» مع مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا، فتداعى أبناؤه وأنصاره ومحبوه في كل مكان عبر العالم لإقامة صلوات غائب على روحه الطاهرة.
 
استشهد عاكف نتيجة القتل البطيء في سجون الانقلاب الذي منع عنه الدواء والعلاج وتركه يموت «قطعة قطعة»، قبل ثلاثة أيام قدمت النيابة للمحكمة التي تحاكم الأستاذ عاكف تقريرا طبيا يفيد بتدهور حالته نتيجة سرطان البنكرياس وارتفاع نسبة الصفراء بالجسم، وورم بالقنوات المرارية، وأكد دفاعه لرئيس المحكمة أن موكله لا يستطيع تناول الدواء بيده، ولا يستطيع تغيير ملابسه بيده، وأن هناك خطورة في نقله من المستشفى، وناشد المحكمة إخلاء سبيله، إلا أن القاضي محمد شيرين فهمي رفض الإفراج عنه، وقرر تأجيل القضية لـجلسة 30 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل لحين حضور مهدي عاكف، هذا القاضي شريك في جريمة قتل عاكف مثل قادة السجن أيضا سواء بسواء.
 
استشهاد مهدي عاكف في محبسه بهذه الطريقة التي تليق بمجاهد مثله، هي وسام شرف على رأسه ورأس جماعته وكل محبيه وأبنائه وأتباعه، فالرجل التسعينيي رفض بإصرار أن يقدم استرحاما للسيسي للإفراج الصحي عنه، وقبل أن يواجه المرض وظلمات السجن بعزة المؤمن، الواثق بنصر الله، كيف لا وهو الذي قضى في السجون  ثلث عمره (قضى 28 عاما في سجون الملك فاروق، وسجون عبد الناصر ومبارك، وأخيرا السيسي)، وكيف لا وهو الشهيد الحي الذي حكم قضاء العسكر في الستينيات بإعدامه بتهمة تهريب اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف الأب الروحي لتنظيم الضباط الأحرار، ولكن عناية الله خففت الحكم إلى المؤبد ليقضي في هذا السجن 20 عاما دفعة واحدة، وقد قضى في العهد الملكي عاما في السجن عقب اغتيال النقراشي، ثم قضى ثلاث سنوات في هوجة المحاكمات العسكرية لقادة الإخوان منتصف التسعينيات، وأخيرا قضى أكثر من أربع سنوات في سجون السيسي حيث كان الفقيد من أوائل الذين ألقت سلطات الانقلاب القبض عليهم عقب الانقلاب مباشرة، وبذلك يكون الأستاذ عاكف أكثر القادة سجنا في العالم كله بتفوقه بعام عن الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا، الذي قضى في سجنه 27 عاما.
 
لي مع الفقيد ذكريات كثيرة قد لا يتسع المجال لسردها كلها، منها موقفه الرائع في أثناء محاكمته عسكريا، مع لفيف من قادة الإخوان في منطقة الهايكستب شرق القاهرة، وكنت وقتها أقوم بتغطية صحفية لجلسات المحاكمة، وحين وجهت المحكمة العسكرية له تهمة الانضمام والقيادة لجماعة الإخوان وهي جماعة محظورة قانونا في ذلك الوقت، فوجئت المحكمة برده بالإثبات «بكل ثبات»، وهمهمنا جميعا في قاعة المحكمة، فالأستاذ يثبت التهمة على نفسه، وكان بوسعه أن ينفيها ولو بطريقة غير مباشرة كما فعل بعضهم حين كان يقول للمحكمة إنه يشرف بانتمائه لمدرسة الإخوان المسلمين، وحين سألناه في جلسة الاستراحة لماذا فعلت هذا يا أستاذ؟ تبسم الرجل وقال إن كلامي لن يؤثر في حكم القاضي، فالحكم مكتوب سلفا مهما قلت، والغريب أن المحكمة حكمت فعلا على الأستاذ عاكف الذي اعترف بانضمامه وقيادته في جماعة الإخوان بالسجن 3 سنوات، وكانت من أقل مدد الحبس التي قضت بها في تلك القضية، صافحته دامعا وهو يغادر قاعة المحكمة بعد صدور الحكم فرد بحزم «اجمد يا ولد».
 
روح الشباب لم تفارق الأستاذ عاكف حتى قبل محبسه الأخير، كيف لا وهو أول مسؤول بعد الإمام البنا عن قسم الطلاب في الجماعة في سنواتها الأولى مع المرشد المؤسس الإمام البنا، وكيف لا وهو الذي ترك دراسة الحقوق التي كانت تستقطب أبناء الطبقة العليا إلى التربية الرياضية تنفيذا لطلب البنا.
 
كل من كان يجالس الأستاذ يشعر بهذه الروح الشبابية الوثابة، وقد مكنته هذه الروح من الاقتراب من شباب الإخوان، الذين بادلوه حبا بحب، وحتى حين تمرد بعضهم في أثناء توليه منصبه فيما عرف بظاهرة « المدونين الشباب» الذين أطلقوا العنان لأنفسهم لانتقاد قادة الجماعة وعلى رأسهم عاكف نفسه، رفض الرجل المساس بهم، بل أمر باستيعابهم وفتح حوارا راقيا معهم، وفي العام 2006 قاد عاكف شباب الإخوان وشيوخهم في أكبر مظاهر للقوى الوطنية شهدتها مصر خلال تلك الحقبة أمام نقابة المحامين؛ دعما لدعوات الإصلاح التي قادها قضاة الاستقلال وحركة كفاية، وكانت تلك المظاهرة هي أول ظهور علني ضخم للإخوان في الشارع.
 
لا يمكن لأحد أن ينسى للأستاذ عاكف أنه اصر على تولي موقع المرشد العام لفترة واحدة فقط ليقدم نموذجا في تداول السلطة، وكان هذا شرطه على الإخوان، وحين أنهى هذه المدة أصر على ترك الموقع رغم أن اللائحة كانت تتيح له فترة ثانية، وكان الإخوان بحاجة له لفترة ثانية، لكنه رفض كل الضغوط  الأدبية التي مورست عليه، وأصر على ترك الموقع ليصبح أول مرشد عام سابق يعمل تحت قيادة مرشد جديد، ويعلن أنه عاد جنديا تحت قيادة الدكتور محمد بديع، وتحتفظ له الجماعة بمكتب يلتقي فيه محبيه بمقرهم الرئيسي في المقطم حتى وقوع الانقلاب.
 
رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته.
----------
****---***